أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
156
عجائب المقدور في نوائب تيمور
رقيق البدن لطيف المزاج سوداويه ، فما كان عنده لذلك ثبات ، فأعجزهم عما يرومون منه بالموت وفات ، فمات واستراح ، وشرب من الشهادة كأس مدام جاءه وراح ، فدفنوه عشيه ، بالمدرسة الكروسيه . ولما شرع في النهب العام المبرح ، استشهد غلطا قاضي القضاة تقي الدين ابن مفلح ، وبرهان الدين ابن القوشة ضعف سبعة عشر يوما ، وانقطع في حارة تل الجبن ، ولحق بالأموات قوما ، وكانوا قد خرجوا على الأحياء الأموات ، وخافوا أن لا يكون لأحد منهم من أيديهم بحجة الوفاة فوات ، فضبطوا بيوت المدينة بيتا بيتا ، وحرجوا أن لا يخرج الأحياء ولا تجهز الموتى ، فلما مات المذكور ، تعسرت الأمور ، فتحيروا في تجهيزه ، وتغلبوا في أمره وتنجيزه ، ثم بعد جهد بليغ وسعي كثير ، دفنوه في الصالحية بعد إخراجه من الباب الصغير ، وخرج مع تيمور بالاختيار من الشام ، عبد الملك بن التكريتي فولاه نيابة سيرام « 1 » ، فمكث فيها لا قليل من الأيام ، وهي وراء سيحون ، وشخص آخر يدعى يلبغا المجنون وكان مقربا عنده ، وسبب ذلك أنه بذل في مناصحته جهده ، وأخبره على ما قيل بفداوي ، فخلصه بذلك من المهالك والمهاوي ، وحصل له بذلك قربه ، وزيادة ملازمة وصحبه ، فولاه ذلك الجساس ، نيابة مدينة تدعى ينكي تلاس « 2 » ، وراء نهر خجند ، نحو خمسة عشر يوما عن سمرقند ، بينها وبين سيرام ، نحوا من أربعة أيام ، وكان اسم ذلك الخؤون ، أحمد ، فتلقب بيلبغا المجنون . وأخذ من دمشق أرباب الفضل وأهل الصنائع ، وكل ماهر في فن من الفنون بارع ، من النساجين والخياطين ، والحجارين والنجارين ، والأقباعية والبياطرة والخيمية ، والنقاشين والقواسين والبازدارية ، وفي
--> ( 1 ) - سيرام : مدينة في حوض نهر آريس ، الذي هو رافد لنهر سيحون ، في بلاد ما وراء النهر ، وهي مدينة أسفيجاب عند الجغرافيين المسلمين . أبو الفداء - تقويم البلدان ص 494 - 495 . ( 2 ) - ينكي تلاس هي مدينة طراز عند الجغرافيين الاسلاميين .